الشيخ محمد رشيد رضا

149

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقال شيخ الاسلام ابن تيمية : ان ابن عباس « رض » لم يقل انه ( ص ) رأى ربه بعيني رأسه يقظة ومن حكى عنه ذلك فقد وهم وهذه نصوصه موجودة ليس فيها شئ من ذلك . وقال : ما نقل عن الإمام أحمد من اثبات رؤية النبي « ص » لربه انما يعنى رؤية المنام فإنه سئل عن ذلك فقال نعم رآه فان رؤيا الأنبياء حق . ولم يقل انه رآه بعيني رأسه . وقال بعد ذكر ما تقدم عن ابن عباس : ولفظ الإمام أحمد كلفظ ابن عباس ، وأهل السنة متفقون على أن اللّه تعالى لا يراه أحد بعينيه في الدنيا لا نبي ولا غيره ولم يقع النزاع الا في نبينا « ص » خاصة مع أن الأحاديث المرفوعة ليس في شيء منها انه رآه وانما روي ذلك باسناد موضوع باتفاق أهل الحديث اه فتوى المنار المشار إليها آنفا ( من ص 282 م 19 ) ( التحقيق في مسألة رؤية الرب سبحانه وتعالى ) إن من أصول العقائد القطعية المعلومة من الدين بالضرورة أن نعيم الآخرة قسمان روحاني وجسماني لان البشر لا تنقلب حقيقتهم في الآخرة بل يبقون بشرا أولي أرواح وأجساد ، ولكن الروحانية تكون هي الغالبة على أهل الجنة ، فيكون النعيم الروحاني عندهم أعلى من النعيم الجسماني . ومن الثابت بالاختبار والتجارب أن العلماء الراسخين والحكماء الربانيين - والفلاسفة الماديون « 1 » والرؤساء السياسيون - كلهم يفضلون اللذات العقلية الروحية والحياة المعنوية ، على اللذات المادية الجسدية ، فترى أحدهم يزهد في أطايب الطعام ، وكؤوس المدام .

--> ( 1 ) أي وكذا الفلاسفة الماديون . وهو استعمال يعد بليغا إذا كان لما رفع خصوصية في السياق ككون الماديين هنا مظنة لمخالفة الروحيين . ومنه قوله تعالى في سورة المائدة ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ ) الخ ويقابل هذا الاستعمال في نصب ما هو في مقام الرفع ما نصب على الاختصاص أو المدح والذم وهو أكثر في الاستعمال ومنه قوله تعالى ( لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) الخ والغرضان المقتضيان لتغيير النسق في مثل الآيتين من مقاصد بلاغة اللغة فيجب ان يكونا قياسيين وان كان النقل في الأول قليلا لعدم فطنة رواة اللغة له